كلام عابر
عبدالله علقم
1-4-2009 @ 4 pm
بالهداوة
عبدالله علقم
أوردت "الخرطوم" في خبر مصنوع اعتمد على أحد مراكز القوة في الحزب الحاكم في القضارف أن النية وسط الحزب الحاكم(المؤتمر الوطني) تتجه لتغيير والي القضارف الحالي السيد الضو عثمان برئيس المجلس التشريعي المقال السيد كرم الله عباس والذي جاءت إقالته متزامنة مع إقالة الوالي السابق بعد خلاف حاد وتلاسن أسيف بين الإثنين. سارع السيد رئيس المجلس التشريعي الحالي السيد محمد أحمد الهادي بنفي الخبر في اليوم التالي على صفحات "الخرطوم" مؤكدا ثقة الحزب الحاكم في الوالي.
هناك ثلاث ملاحظات على الخبر ونفيه. الملاحظة الأولى أن السيد صالحين العوض مراسل "الخرطوم" في القضارف شاب نشط لا يقف كثيرا عند الظواهر ولكنه يجتهد كثيرا للوصول لمصادر الخبر ومصانع الحدث. الملاحظة الثانية هي أن رد فعل المسئولين في ولاية القضارف ممثلين في رئيس المجلس التشريعي جاء سريعا جدا مع أنهم لا يولون ما ينشر في الصحف عن الولاية الاهتمام المتوقع ولا يقدمون عادة التوضيح المطلوب للرأي العام، واستشهد بذلك على قضايا حيوية كثيرة أثرتها من قبل في هذا العمود ولقيت منهم تجاهلا تاما يجعلني أشك أنها قد بلغت علمهم أصلا، وآخر الأمثلة لذلك مسألة عالم الجيلوجيا السوداني الذي عرض عليهم الحضور للقضارف لتقديم استشاراته العلمية المجانية للمساعدة في علاج مشكلة المياه في القضارف، وهذا العرض الكريم لم يلق استجابة من المسئولين في الولاية ، ليس ذلك فحسب بل سعى بعضهم لعدم حضور ذلك العالم للقضارف وأفلحوا في ذلك بدرجة الامتياز.
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة فهي تتعلق بوالي القضارف الحالي السيد الضو عثمان موضوع الخبر. فهذا الرجل يتمتع بالكثير الذي يميزه على الآخرين ، فمن جهة هو أول واحد من أبناء القضارف يتولي هذا المنصب، ومن جهة ثانية لم يسع السيد الضو للمنصب ولكن المنصب سعى له سعيا وهي حالة نادرة الحدوث. ومن جهة ثالثة، وهي الأهم، تلخص برنامج السيد الضو في محورين أساسيين ، المحور الأول هو الحرب على جميع ممارسات الفساد المالي والإداري المفضوحة التي تتم بلا حياء والتي زكمت أنوف أهل الولاية، والمحور الثاني إطلاقه ما أسماه بحزب القضارف، وهو دعوة مفتوحة، أكثر من كونها حزبا سياسيا، لجميع أهل القضارف للعمل معا على النهوض بالولاية متجردين من أي انتماء آخر غير الانتماء للقضارف، وهي دعوة خيرة متقدمة، وجدت قبولا واسعا لدى مختلف التوجهات السياسية والفكرية، وبالتالي فأعتقد إن التفكير، مجرد التفكير، في إزاحة رجل بهذه الرؤية النيرة وبهذه الخلفية الخلقية من منصب انتقالي لم يسع إليه في يوم من الأيام،أمر يصعب تبريره للرأي العام. ولا أعني بهذا أن أمدح الرجل، فأنا لا أحسن مدح الحكام، والدنيا عرض زائل كسوق انتصبت ثم انفضت ، سيغادرها الرابحون والخاسرون معا، وفي جميع الأحوال ليس لديّ ، بفضل الله، ما أطلبه من وال قديم أو وال قادم .
أقول هذا رغم علمي أن تنصيب أو استبدال الوالي شأن خاص بحفنة قليلة من الناس يتوهمون أنهم يعرفون مقتضيات المصلحة العامة أكثر من غيرهم ويتوهمون أنهم مصطفون لتحقيقها.
قبل الختام:
قال الكاتب النوبي المصري مأمون فندي عن الطيب صالح " مضى الطيب كالحلم وسيبقى عالقا في ذاكرة أجيال عديدة كما لو كان من رائحة الأولياء"
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
15-3-2009 @ 10 pm
نعـــــم ولا !
عبدالله علقم
قال السيد وزير الحكم المحلي والخدمة المدنية في لقاء صحفي في صحيفة "الخرطوم" مبررا مواصلة استقواء الجهات الجابية للضرائب والرسوم لقوات الشرطة رغم صدور قرار سابق من رئاسة قوات الشرطة بمنع هذه الممارسة، قال إن المواطن البسيط عليه " أن يفهم أن العوائد التي تفرض عليه تعود إليه في شكل خدمات مثل التعليم والصحة وإصحاح البيئة وغيرها ولا يستطيع موظف الضرائب والعوائد إجبارهم عليها" وأضاف سيادته "أما مسألة تدخل الشرطة فهناك بعض الأسر تقاوم دفع الرسوم وتتعرض أحيانا للموظف" وأوضح حقيقة أن الموظف الجابي ضابط إداري ولذلك توفر له المحلية الحماية "أثناء تجواله لجمعها" وقال أيضا إن الجبايات "مسألة عادية من أجل توفير الخدمات وتوجد حتى في الدول الكبرى".
"نعم" للعوائد والرسوم والضرائب فهي نموذج من أرقى نماذج التكافل الاجتماعي والتزام أخلاقي ووطني من المواطن نحو وطنه ومجتمعه ، وهي "مسألة عادية" فعلا،كما ذكر السيد الوزير، نجدها في دول العالم الكبرى منها والصغرى ، ولكن "لا" لاستخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة لتحصيل هذه العوائد فهذه "مسألة غير عادية" خالية من أي سند أخلاقي أو قانوني أو منطقي وممارسة غير حضارية لا تحدث في دول العالم حتى المتخلف جدا منها. قبل سنوات مضت كانت في كل مدينة في السودان محكمة للعوائد يختصم إليه المواطن والدولة بعد أن تقوم الدولة بإحالة الممتنعين عن الدفع للمحكمة، وكانت محكمة العوائد ، وهي جهاز قضائي له سلطة الحكم والتنفيذ بحفظ هيبة الدولة وكرامة المواطن باعتبار أن أصل الاشياء هو ألا تناقض بين هيبة الدولة وكرامة المواطن، وليتنا نسترد من جديد هذه الفضيلة الضائعة، وليتنا نسترد ذلك الإحساس بوجود حق معلوم للدولة في أموال المواطن في التزام متبادل بين الإثنين ، وهو إحساس أخذ يضعف بمرور السنين حتى تلاشي تماما لدى المواطن الذي يستند أخلاقيا في منحاه بعدم وجود مقابل على الأرض لما يحمل على دفعه أو أن المقابل قليل لا يرقى للمبالغ الكبيرة التي يدفعها تحت مختلف المسميات ومن عدة جهات تتنازع فيما بينها وتتسابق للنيل من المواطن. "نعم" لدفع العوائد،من حيث المبدأ رغم كل المآخذ عليها ، ولا للجباية بنفس طريقة جند محمد علي باشا رغم الفاصل الزمني.
حزنت لاختزال دور الضابط الإداري في الجبايات، كما فهمت من حديث السيد وزير الحكم المحلي، بعد أن كان ضابط الحكومة المحلية(وهو الاسم القديم للضابط الإداري) في أزمنة جميلة مضت صاحب رسالة اجتماعية وحضارية وتنويرية في المجتمعات تتجاوز حيز مكتبه الزماني والمكاني.
قبل الختام:
استعرت عنوان المقال من العمود الرشيق الذي يكتبه في الصفحة الرياضية أخي الاستاذ الصادق عبدالوهاب.
(عبدالله علقم)
3-3-2009 @ 9 am
رؤى جديدة
عبدالله علقم
تحدث الدكتور كرار التهامي الأمين العام لجهاز شئون السودانيين العاملين بالخارج ،أو وزير الهجرة ، وهي التسمية التي اقترحها أحد الإخوة اختصارا للوقت والكلمات، تحدث أمام جمع من العلماء والمثقفين السودانيين في مدينة الدمام مساء السبت 21 فبراير وطرح رؤية جديدة لعمل جهاز المغتربين تغلب عليها نكهة الإبداع وروح الفن أكثر من جمود السياسة والإدارة ، وتكلم بلغة جديدة غير مالوفة للحاضرين، واستعرض قضايا متشعبة كثيرة سنتناول بعضها في مرات قادمة ونخص بالحديث في هذه السطور العمل الطوعي ، فقد ذكر أن العمل التقني أو المهني يتجاوز المحطات السياسية لينفذ مباشرة إلى المجتمع وأن العمل الطوعي في جوهره أخلاقي مزروع في دواخل الإنسان بالفطرة السليمة، وقال إن الإنسان لن يحس بقيمة حقيقية لذاته إذا لم يقدم شيئا لوطنه مهما واجه في وطنه من ظلم أو مضايقة. وأشار إلى أن ثقافة العمل الطوعي منتشرة في المجتمعات الغربية لأنها جزء من المنهج التعليمي ولهذا كان الغربيون ،خاصة الشباب منهم، أكثر إسهاما في العمل الطوعي والمسلمون والسودانيون أولى بهذا المنهج لكن اجتذاب المتطوعين للعمل الطوعي يتطلب منهجية خاصة لكسر الحواجز النفسية القائمة بين المتطوعين وماكينة الدولة حتى يتمكنوا من تقديم خبراتهم وخدماتهم لمجتمعاتهم بأقل قدر ممكن من المعوقات والرفض التقليدي خاصة وأنهم يحملون رؤى أوسع وأشمل لا تتوفر للإنسان في داخل السودان. إضافة إلى دعوته للمتطوعين السودانيين من العلماء والخبراء لمد أيديهم لمجتمعاتهم بشّر الدكتور كرار بأن جهاز المغتربين سيعمل على رعاية استثمارات المغتربين التخصصية وتسكين العلماء وأصحاب الخبرات لأن وطنهم أولى من غيره بقدراتهم وأحوج إليها ووعد بنشر أعمال المغتربين خاصة التخصصي منها.
لا بد من القول إن وجود كرار التهامي على قمة جهاز المغتربين أزال ،أو بدأ في إزالة، الحاجز النفسي التاريخي بين المغتربين والجهاز وهو حاجز راكمته تجارب سابقة، وأنه لا أحد يشكك في حسن نوايا الدكتور كرار ولكنها هذه النوايا تحملها أجنحة الطيبة والتمني لتحلق فوق واقع قد لا يكون جميلا أو ملائما في كل الأوقات. المغترب تواق بطبعه للتطوع لتقديم ما يمكنه تقديمه لوطنه لكنه يصطدم بجمود ماكينة الدولة على مستويات مختلفة ، وهذه مشكلة تكفل الدكتور كرار بعلاجها بنهج منظم لا يخلو من التفاؤل الخلاق. المغترب أيضا يرغب في أن يكون عمله الطوعي خالصا للوطن ولا يرغب في تجييره لأي جهة أخرى غير الوطن أو جعله مطية للدولة للتخلي عن التزاماتها تجاه مواطنيها خصوصا في مجال الصحة والتعليم ، وأعتقد أن الدكتور كرار يعي جيدا هذه الخلفيات.
ما لم يتطرق له الدكتور كرار هو أن تسكين الكفاءات المهاجرة لا بد أن يكون مهره في حالات كثيرة اجتثاث قانون أو ممارسة الفصل من الخدمة للصالح العام، والقضاء على جميع الممارسات الطاردة، وهذه أمنيات قد تكون خارج سيطرة الدكتور كرار وبعيدة عن رؤيته الإبداعية. وفي جميع الأحوال يستحق الدكتور كرار منا كل تقدير واحترام لما يقوم أو يسعى بصدق للقيام به.
(عبدالله علقم)
23-2-2009 @ 10 am
الهجرة الأخيرة
عبدالله علقم
في صباح يوم من أيام شهر ديسمبر 1966م غادر بنا القطار الخرطوم في طريقه إلي شندي. كنا مجموعة من طلاب التاريخ في السنة الثالثة في كلية الآداب، جامعة الخرطوم وكانت وجهتنا منطقة آثار مملكة مروي القديمة في البجراوية والنقعة والمصورات المجاورة لشندي وكبوشية. طوال الرحلة من الخرطوم لشندي ولعدة ساعات بعد وصولنا شندي كان زميلنا علي عبدالقيوم غارقا في مطبوعة بين يديه عزلته عن كل الحياة والضجيج من حوله صائما عن الكلام حتى فرغ مما كان فيه وأكمل قراءة المطبوعة. كانت المطبوعة هي مجلة "حوار" البيروتية وكان الموضوع الذي استأثر بكل ذلك الجذب الصوفي هو رواية "موسم الهجرة للشمال" التي قال لنا علي إنها لكاتب سوداني "جديد" اسمه الطيب صالح. انتقلت المجلة بعد ذلك لزميلنا عبدالله جلاب الذي انجذب مثل علي واستغرق في القراءة. كانت تلك أول مرة نسمع فيها بالطيب صالح ولكني لم أقرأ الرواية إلا بعد ذلك بأكثر من عام حينما صدرت من دار الهلال. كان علي عبدالقيوم وعبدالله جلاب يتميزان علينا، وما زالا، بأشياء كثيرة من بينها الموهبة والحس الأدبي ووصول مراكبهما قبلنا لبحر الطيب صالح.
كتبت عن هذه الرحلة في "الخرطوم" في ديسمبر 1998م بشيء من التفصيل عندما رحل علي عبدالقيوم وأستدعيها اليوم في مناسبة رحيل أخرى تحمل في طياتها الالم والمأساوية ولكنه ليس رحيل شخص واحد بل غياب جزء من الوطن، فلن يعود الوطن أبدا بمثل ما كان عليه حينما كانت الحياة تجري في شرايين الطيب صالح. سالت دموعنا يوم راينا دموعه على شاشة التلفزيون وهو يودعنا ويقول إنه يتمنى أن يزور الوطن لو كان في العمر بقية ولكنه في نفس الوقت يحمل الوطن في دواخله أينما رحل. "وأحمل معي بلدي .. متحملا كمدي" كما قال علي عبدالقيوم. نقدم اليوم العزاء لشقيقه في أم درمان ولأبناء شقيقته في بورتسودان ولكنها ليست حالة حزن أسرية أو سودانية. في نهار الأربعا تلقيت وأنا في الدمام رسالة على الهاتف الجوال من ابني هشام في الخرطوم يقول لي فيها معزيا "البركة فيكم في وفاة الطيب صالح". نفس نهار الأربعاء دخل الأستاذ عتيق الخماس الصحفي الكبير ونائب رئيس تحرير صحيفة"اليوم" السعودية في حالة حداد حقيقي. عندما حاول ابنه توفيق أن يستجلي الأمر دفع إليه بكتابي "موسم الهجرة للشمال" و"عرس الزين" قائلا له "لقد رحل كاتب هذين الكتابين..رحل أعظم كاتب أنجبه الوطن العربي يا ولدي".
كان الطيب صالح متسامحا يبشر بالتسامح بين الناس .. كانت آخر رسالة له عبر تلفزيون السودان هي التسامح، ولهذا لن نلعن اليوم من كانوا السبب في أي وقت من الوقات في بقائه لحظة واحدة خارج وطنه سواء كان ذلك في عام 1967م أو بعد ذلك. كان الطيب صالح وسيظل كذلك إلى ما شاء الله أفضل ما حققه السودان منذ رفع علم الاستقلال في مطلع عام 1956م، سيظل هو المشروع الناجح المكتمل الوحيد الذي حققه السودان وسيظل كل كاتب متأثرا بطريقة أو بأخرى بغيض من فيض الطيب صالح. منحنا الطيب صالح السبق والتميز على العالمين وجعلنا مرة واحدة محط أنظار كل الدنيا ومنحنا وطنا نفتخر بالانتماء إليه لأنه هو نفس الوطن الذي أنجبت حواؤه الطيب صالح. أعطانا ما لم يعطه كاتب قط لوطنه وقدم السودان ،كما هو بلا تزيين ولا تجميل ، للعالم وسما فوق الاسوار العربية لينقل معه بت مجدوب وودالرواسي والطاهر ومحجوب وعبدالحفيظ وسعيد عشا البايتات لكل لغات الدنيا وجواز مروره هو الصدق والإبداع الحقيقي الذي يشبه الإعجاز، وبعض الناس في بلادي مازالوا إلي يومنا هذا يعتذرون عن السلم الخماسي ويعيبون عليه عدم ملامسته للأذن العربية وكأن ذلك هو مقياس القبول..
منسي وكرمكول وود حامد والنخلة على الجدول والنيل والسواقي والصحراء والجروف والزين كلهم أصابهم اليتم وسكنهم الحزن وتوشحوا بالسواد. حزنت من قبل لرحيل محمد المهدي المجذوب وصلاح أحمد ابراهيم، كان حزني شديدا لأني لم أر أيا منهما رؤية العين.. الطيب صالح هو الآخر لم يكرمني الله سبحانه وتعالى برؤيته وإن كنت أحمله في داخلي كما كان هو يحمل كل الوطن في داخله، وهذه هي حالة الحزن الخاصة.
(عبدالله علقم)
15-2-2009 @ 2 pm
وقفات ضرورية
عبدالله علقم
من عمود "اقرأ واسكت في صحيفة "الخرطوم" " الذي يكتبه أخي الأصغر الأستاذ الزبير سعيد الذي اثق في صدقية ما يخطه قلمه ، علمت أن تلميذا في رفاعة قد مات بعد بعد أن قام أحد المعلمين بضربه ضربا أفضى إلى الموت.أن تقع تلك الجريمة أمر سيء وخطير بلا شك، وأن تكون رفاعة مسرحا لهذا الفعل الشنيع ، ورفاعة ارتبطت تاريخيا بالتعليم والتنوير قبل غيرها، أمر يبعث على الحسرة. معلم آخر، ولكن في مصر، ارتكب نفس الجريمة حينما "عاقب" أو اعتدى على أحد تلامذته بالضرب العنيف باليدين والركل بالقدمين حتى فاضت روح الضحية، ولكن المعلم المصري لم يفلت من المحاسبة ونال حكما بالسجن لمدة ست سنوات باعتبار أن القتل غير متعمد. أهل التلميذ استأنفوا الحكم لاعتقادهم أن العقوبة أقل من بشاعة الجريمة... ترى هل ستبلغ واقعة معلم رفاعة القضاء خاصة بعد ما تردد أن أولياء دم الضحية قد عفوا عن المعلم القاتل ؟ هل سيسقط الحق العام؟
اتفق جهاز المغتربين وإدارة القبول في وزارة التعليم العالي على تكوين لجنة مشتركة ودائمة لمعالجة قضايا تعليم ابناء المغتربين واعتماد العمل بالنظام الجديد الذي طبق في العام الماضي باعتماد نسبة 70% من الشهادة التي يتحصل عليها الطالب المغترب و30% من امتحان التحصيل والقدرات ومعاملة الناتج بنظام الرتب ( وهو نظام لم أستطع إستيعابه لكني أعلم أنه مجحف بالطلاب المغتربين من حملة الشهادة العربية). وقرر الاجتماع ارسال وفد لدولة الامارات ل(تعريف) الطلاب وآبائهم بالنظام الجديد. ظل أبناء المغتربين ضحية دائمة لاجتهادات وتحامل المسئولين في وزارة التعليم العالي وكان ابني "عمار" ، وما زال، أحد نماذج ضحايا الشهادة العربية، إذ لم تشفع له نسبته العالية (99%) لدخول كلية الطب في جامعة الخرطوم.
لا شك أن الدكتور كرار التهامي ، أمين عام جهاز المغتربين، رجل جدير بالإحترام ويشرف المنصب الذي يشغله ، ويحس ويعيش معاناة المغتربين وأبنائهم أكثر من الآخرين، لكن المسألة تقع خارج نطاق نوايا كرار التهامي الطيبة الصادقة،ولا أتوقع أن تتجاوز المحصلة النهائية للجنة الرحلات السياحية لدولة الإمارات ولغيرها، ثم يلد الجبل فأرا مثل كل مرة وتتواصل المعاناة طالما بقيت تلك النظرة الاستعلائية أسيرة الماضي وسط القائمين على أمر التعليم العالي في بلادنا الذين ما زالوا يتوهمون أن مستوى التعليم في السودان متفوق على غيره من البلدان العربية وأن جيوب المغتربين منتفخة وسخية.
كتب لي الأستاذ محمد الشيخ شاكيا من تكرر إغلاق جامعة الفاشر بسبب ما تعاني منه من نقص في الأساتذة والتجهيزات، الأمر الذي أضاع سنوات من عمر ابنه الطالب في تلك الجامعة بالإضافة إلى أن ابنه يضطر للسفر عدة مرات في السنة من الفاشر وإليها بالطائرة التي بلغ سعر المقعد فيها مبلغا خياليا بمقاييس "إياتا" وبأي مقاييس اخرى، مما يشكل ضغطا ماليا كبيرا على موارد الاسرة ويضاعف من معاناتها. ورغم تعاطفي الشخصي مع أخي ود الشيخ ومع ابنه إلا أن جذور القضية تعود لما سمي يومها بالثورة التعليمية التي كان من إفرازاتها عدم الموازنة العلمية بين الكم والكيف، وتمدد الكم على حساب الكيف، وهذا ما يجسده نموذج جامعة الفاشر التي تعتمد في تعليم طلابها إلى حد كبير على الأساتذة "الزائرين" القادمين من الخرطوم الذين لا تملك سبل توطينهم في الفاشر. ومن هنا أعتقد أنها قضية عامة تتجاوز معاناة ود الشيخ وابنه.
عبدالله علقم
27-1-2009 @ 10 am
أمبراطــوريــة
ورد في إحدى الفتاوى أن الرسوم الجمركية على الواردات والصادرات من المكوس ، والمكوس حرام حتى لو كانت مما صرفها الولاة في المشروعات المختلفة كبناء مرافق الدولة، والمكس هو النقص والظلم والمماكسة هي المشاكسة والمماكس يستنقص ثمن البيع والمكوس أصلا هي الضرائب التي يأخذها العشارون وهم الذين يجبون ما كان يأخذه الولاة من العشر متأولين فيه معنى الصدقات والزكاة وهو مكس ، وجاء في الحديث "لا يدخل الجنة صاحب مكس". وبالمقابل هناك فتوى أخرى لا تقر شرعية الجمارك فحسب ولكن تقول بعدم جواز تزوير الأوراق لتسهيل خروج البضاعة بدون دفع جمارك ولكن ذلك المنع يشترط أن تكون هذه الرسوم مفروضة بحق مقابل خدمات تقدمها الدولة المعنية للمنتفعين بها ، وليس للدولة موارد أخرى كافية ولم يكن هناك تسيب في المال العام. لكن الجمارك، بعيدا عن هذه الفتاوى، مصلحة ذات طابع اقتصادي وخدمي مكلفة بمراقبة المبادلات التجارية على الحدود وجباية الضرائب على الواردات وتمثل مصدرا حيويا إيرادات حيوي للدول خصوصا الفقيرة منها، وتدعم الاقتصاد المحلي بحماية المنتج المحلي والتصدي لعمليات التهريب في المنافذ البرية والبحرية والجوية ومنع دخول المواد بالإنسان وبالوطن.
وقد عمد نظام الإنقاذ بعد 30 يونيو 1989م إلى عسكرة المجتمع وتجييش المشاعر في إطار ما عرف وقتها بالمشروع الحضاري وامتدت هذه العسكرة إلى مصلحة الجمارك فحولتها من جهاز مدني تابع لوزارة المالية إلى جهاز عسكري وتحول موظفوها،أو من بقي منهم بعد خصومات الصالح العام، من موظفي خدمة مدنية إلى عسكريين يحملون رتبا عسكرية،وقد شهدت الجمارك تجاوزات كبيرة في الإعفاءات والمعاملات التفضيلية التي تفرق بين المواطنين في إطار سياسة التمكين سواء كانت هذه التجاوزات سياسة عامة للدولة أو باجتهادات وتصرفات داخل الجمارك، فاضاع ذلك على الاقتصاد الوطني موارد ضخمة من جهة وأدى من جهة أخرى إلى إفلاس الكثيرين وخروجهم من السوق بسبب عدم قدرتهم على منافسة البضائع المعفية من الرسوم الجمركية والتي تماثل بضائعهم التي تخضع بدقة شديدة للضرائب، ورغم انحسار هذه الممارسات بعض الشيء إلا أنها لم تختف تماما . و لم يصاحب العسكرة تطور حقيقي في الوسائل والتأهيل البشري والأداء رغم تطور التقنية والمعارف في العالم . ثم تحولت الجمارك بمرور الوقت إلى جزيرة إدارية كبيرة لا تأتمر بأمر أحد ، وقد تلمست جانبا من انعكاس ذلك في أجزاء من برنامج شاهدته عرضا على قناة النيل الأزرق وتناول البرنامج قضية حظر استيراد التفاح الأمريكي . كان عظيم الجمارك الذي يحمل رتبة الفريق يتخاطب بلهجة غير موفقة تعطي الانطباع بأن الرجل يملك من أسباب القوة ما يجعله لا يحفل بأحد من المستضافين في البرنامج أو المشاهدين أو حتى مقدم البرنامج ولا يأبه بتقديم الردود الهادئة والتبريرات المقبولة لهؤلاء، كان يتصرف ويتحدث كمارشال حقيقي تأتمر بأمره الجيوش وتنطلق بإشارته المدافع، ورغم أن هذا المارشال قد غادر الجمارك وانتقل لموقع يواصل فيه التمكن، فإن مشكلة العسكرة ما زالت باقية في الجمارك.
جهاز الجمارك ينفذ في عمله، ولا يقرر، السياسات العامة التي تضعها الجهات المختصة في الدولة بناء على أسس واعتبارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وسيادية ويكون لجهاز الجمارك في أقصى درجات التفويض الممنوحة له وضع الآليات التي تضمن حسن تنفيذ هذه السياسات بدون التعارض مع النظم والقوانين القائمة وبدون المساس بحقوق المواطن وإخضاع المواطن لمزاج المسئول الجمركي مثلما يحدث مع المغتربين. جهاز الجمارك في ظل التمكين والعسكرة تحول لامبراطورية حقيقية. والبداية الصحيحة لترتيب شئون هذا الجهاز الحساس شركه وتصحيح مساره المعوج هو إعادته لحضن الخدمة المدنية مثلما ما كان سابقا ومثلما هو متعارف عليه في العالم ، ومن ثم إعادة النظر في أدائه وهيكلته ونظمه ، حتى لا يبقى جزيرة إدارية منعزلة ومزاجية يعاني منها كل الناس.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
12-1-2009 @ 8 am
الوجــــه الآخـــــــر
جاء في الصحف أنه تم اكتشاف تقاوي فاسدة في القضارف استجلبها البنك الزراعي من جنوب أفريقيا لزراعة زهرة الشمس وكانت النتيجة فشلا لافتا في الإنتاج ، فقد أنتج الفدان المزروع بهذه التقاوي جوالا ونصف جوال بدلا من خمسة إلى سبعة جوالات حسب المتوقع وفي المقابل قامت شركات خاصة باستيراد تقاوي مماثلة من دولة أخرى أثبتت نجاحها وحققت معدلات إنتاجية عالية وقد باعت الشركات هذه التقاوي للمزارعين بسعر 6 ألف جنيه للطن الواحد بينما باع البنك الزراعي تقاويه الفاسدة بسعر 12 ألف جنيه للطن (حشف وسوء كيل) .وأعلن وزير الزراعة الولائي عن تشكيل لجنة فنية متخصصة لدراسة التقاوي لمعرفة صلاحيتها ورفع تقريرها خلال أيام قليلة. وبالفعل تشكلت اللجنة بقرار اتحادي برئاسة مدير الأبحاث الزراعية في مشروع الجزيرة وضمت في عضويتها عددا من الخبراء وقامت اللجنة بزيارة ميدانية لولاية القضارف حيث تحصلت على عينات من التقاوي لإجراء الفحص المختبري عليها.
تناول الخبر بعض الزملاء في "الخرطوم" وصحف أخرى وأستهجنوا هذه الكارثة الزراعية ودعوا لمحاسبة المسئولين عنها أيا كانت مواقعهم لكنهم جميعا فات عليهم رؤية الوجه الآخر للحدث وهو مضيء بعض الشيء ، فلأول مرة يتم التصدي في القضارف لممارسة فاسدة وكشفها للعلن ، بل وتشكيل لجنة متخصصة على الفور لدراستها والبت في صلاحية التقاوي، وهي ممارسة رشيدة وثقافة جديدة لم تألفها ولاية القضارف من قبل في أزمنة سابقة ، وهو أمر يحسب بلا شك لوالي القضارف الجديد الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه حرب على الفساد والمفسدين ويبدو أن الرجل قد أتبع القول بالفعل، فقط نتمنى أن تكون حربه على الفساد بلا حدود وبلا قيود وبلا انتقاء. هذا هو الجزء المشرق من الصورة أما الجزء المظلم أو المحزن فهو السؤال الملح :لماذا يسمح بدخول التقاوي أيا كانت جودتها ومصدرها دون أن تخضع للفحص المختبري مثلما يحدث في كل أو معظم الدول ومن بينها دول نفوقها في الإمكانات المعرفية والمادية؟ وماذا يجدي (الجس بعد الضبح) وفحص التقاوي بعد وقوع الكارثة؟
قبل الختام:
أدعو القاريء الكريم للدعاء معي بالرحمة والمغفرة للدكتور عبدالوهاب محمد نور رحمة الطبيب الإنسان الذي لبى نداء الرحمن عصر الخميس الثامن من ديسمبر، والعزاء موصول لاسرته التي هي كل مدينة القضارف. طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جنانه مع الصديقين والشهداء.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com