تشكيل وفنون
23-11-2009 @ 9 pm

تقرير ثقافي
مجلة سيسرا 2 القادمة من نادي الجوف الأدبي : تساؤلات حول الإبداع الأنثوي و حوارات مع أمجد ناصر و هبـة عصــام و وفاء مليح و إبداعات شعرية وقصصية
ضمن إصدارات النادي الأدبي بالجوف صدر حديثا العدد الثاني من مجلة سيسرا الثقافية حاملا معه العديد من المواد الثقافية والأدبية.. ففي افتتاحية المجلة يشير رئيس نادي الجوف الأدبي الأستاذ إبراهيم الحميد إلى أن ( مجلة ) سيسرا تدخل عددها الثاني ، محملة بالرؤى والطموح ، لتقديم مادة ثقافية تعبر عن المشهد الثقافي المحلي و العربي ، مؤكدة معه هويتها ورؤيتها وجديتها ، خاصة مع تفاعل المحبين والمبدعين الذين أثروها وعززوا مسيرتها الجادة بإبداعاتهم منذ انطلاقتها، وبإثرائهم سيتم إن شاء الله تقليص فترات صدورها لتصبح مجلة فصلية ، إلى جانب الاستعانة بالعديد من الزملاء المهتمين بالشأن الثقافي ، بما ينعكس عليها شكلا ومضمونا في أعدادها القادمة .
وقد نوه الحميد إلى أن الأصدقاء و المحبين يدركون مدى الصعوبات التي تواجه العمل الثقافي بكل أشكاله ، ليقف على أقدامه ويسير قدما إلى أن يصبح فاعلا في المجتمع ، ليس كأي نشاط إنساني ، بل كنشاط لابد منه ، لتصحيح مسيرة مجتمعنا الذي ظل النشاط الثقافي و العمل الإبداعي فيها هامشيا ، و غائبا إلى حد بعيد .
واختتم رئيس أدبي الجوف افتتاحيته بتجدد الدعوة ، لجميع المهتمين ، للمشاركة في المجلة ، لتعزيز انطلاقتها ، وإثرائها ، عبر عناوينها الموضحة.
وقد تضمن العدد خمس حوارات ثرية كان الأول مع الشاعر الأردني أمجد ناصر رئيس القسم الثقافي بجريدة القدس العربي الذي ذكر بأن القصيدة المثالية التي يريدها لم تتحقق له بعد، وأن رحيل محمود درويش المبكر كان خسارة بكل المقاييس. خسارة للسردية الفلسطينية في وقت هي في أشد الحاجة إلى صوت إنساني عميق وقادر على توجيه خطاب ذكي إلى الآخر.
وجاء الحوار الثاني مع الشـاعرة المصـرية هبـة عصــام التي تشق طريقها بخطىً سريعة إلى عالم الشعر ، وتقول بأنه أكثر الفنون التي تستنزف روح مبدعها ، وهو حالة إنسانية خارجة عن المألوف .وهي كثيرا ما تتفاعل مع الحياة والناس بنصف تركيز، وسرعان ما تحن لعالمها الخاص.وتضيف قائلة بأن الشعر هو الجنون بحد ذاته ، وإن المجنون لا يُسأل عما يفعل.
أما الحوار الثالث فكان مع الكاتبة والقاصة المغربية وفاء مليح التي شبهها البعض بالكاتبة الفرنسية الشهيرة فرانسواز ساغان، التي اشتهرت بروايتها الأولى والجريئة "صباح الخير أيها الحزن" .تقول وفاء مليح بأن الكتابة هي مشروع وجود ، وعلى المرأة الكاتبة لكي تمارس الإبداع أن لا تقمع الأنثى المبدعة بداخلها..ومعنى أني أمتهن الكتابة أنني أحقق وجودي وأترجمه..فأستجيب لانفلات الذات المبدعة من قبضة الذات التقليدية.
وجاء الحوار الرابع مع القاص المغربي إسماعيل البويحياوي الذي تميز بكتابة نصوص قصصية قصيرة جدا جدا ، منها الممتع والساخر والمستفز للقاريء ، وأحيانا يكتبها راقصة مفتوحة ومربكة. والكتابة – على حد قوله -أن تستل من نفسك بصمة أو قطرة تبقى بعد الموت. وهو نوع من البقاء والانتصار على الزمن والفناء البيولوجي. يكتب لقارئ مفترض يتخيله عارفا أو راغبا في المتعة، و المؤانسة ، و المعرفة الإبداعية. عاشقا للعبة معانقة الحروف، وفك الرموز ، وارتحاق مكنوناتها ،والانغماس في عوالم التخيل السامية.
أما الحوار الأخير فكان مع الشاعر السوري المقيم في السعودية شاهر الذيب و الذي يرى أن الحراك الثقافي في منطقة الجوف لا يرتقي إلى المستوى الذي يمكن أن يؤثر بشكل كبير في المجتمع، خصوصا إذا اقتصر على إقامة أمسية هنا أو محاضرة هناك، فالثقافة هو ما يطفو على سطح المجتمع، ويظهر مدى تعدديته وغناه الفكري والاجتماعي، وهو حركة مستمرة ، تعكس قدرة المجتمع على التطور والارتقاء بقدر ما تعكسه هموم ومشاعر مثقفيه بضرورة تضافر جهودهم ، بغض النظر عن الانتماءات الفكريّة لكل واحد منهم .
وفي مجال الدراسات والنقد تناولت سعاد العنزي "الاتكاء على الذاكرة الشعبية- شعيب حليفي... " وهو إحدى الشخصيات التي احتفت بالمكان والزمان، بما فيه من أفق روحانية، تسمو بالقارئ عن المادية، وعن الإغراق في الذاتية، عبر دوران حول الهوية الشعبية للبلاد المغربية التي تشكل جزءا من الهوية العربية، فهو الذي يجمع بين النفس الروائي الشاعري، والعمل الأكاديمي، فتتحقق متعة التلقي على أوسع مدى.
كما تناولت د. دعاء صابر قراءة لرواية العمامة والقبعة التي استطاع- من خلالها - الروائي العربي المعروف ( صنع الله إبراهيم ) أن يقدم للمكتبة العربية عملا روائيا جديدا بلغة القرن الثامن عشر، ومفرداتها التي تفاجئ القارئ وتجذبه بهدوء عبر نسيجها الدرامي وفصولها المتصلة بذلك الخيط الزمني الرفيع ، ليصير القارئ جزءا من شخوص تلك الرواية .
أما عبدالله السمطي .. فقد تناول ديوان ( تأخذه من يديه النهارات ) للشاعر إبراهيم الزولي ، الذي يقدم لنا شعرية تسترعي الانتباه إلى ما تكابده الذات الشاعرة في مراقبتها العالم ، وفي تأملها في صفحاتها الجمالية والذاتية لإنتاج حالة من الترجيع الشعري كسعي لاستعادة أزمنتها الجميلة المفقودة.
أما د. وجدان الصايغ التي تبادر إلى ذهنها تساؤل مفاده: ألم يستطع الإبداع الأنثوي أن يخلق له مملكته الخاصة، وملامحه المتفردة ، وجزره وعالمه وأجواءه .. فقد أوردت في هذا المجال رؤى وشهادات لكل من الشاعر اليمني والناقد الأكاديمي الدكتور عبد العزيز المقالح ، والشاعر البحريني علي عبد الله خليفة ، والشاعر السوري سليمان العيسى، والشاعر اليمني والكاتب المسرحي محمد الشرفي ، والشاعر العراقي والناقد الأكاديمي الدكتور علي جعفر العلاق – الأستاذ في جامعة الإمارات ، والشاعر العراقي والناقد الأكاديمي الدكتور عبد الإله الصائغ.
وتقدم هدى الدغفق دراسة شعرية يبدو فيها النسيان والتذكر، كثنائي متناقض تحضر بهما ومن خلالهما الشاعرة السورية سلوى النعيمي في ديوانها (إنا أعطيناك) ، الذي أهدته إلى دمشق ، وتتناولهما برؤيتها التي مع خصوصيتها لها حضورها العارم في مكونات قوية الحجة بالنسبة إلى الشاعرة، حيث بها تلد القصيدة صورها ، وتتوالد في مناخ التناقض ذاك،ثم تتوحد في ذات الشاعرة ..
وفي رحلة البحث عن المعنى يقدم د. عز الدين الوافي قراءة في رواية " الكيميائي" للكاتب العالمي باولو كويلو ،التي تحكي قصة شاب أندلسي اسمه سانتياغو، يتخلى عن عمله كراع، ليسافر بحثا عن حلم رآه مرات متكررة. وتقع أحداث الرواية في إسبانيا والمغرب، حيث يبدأ رحلته عبر الصحراء وأهرام مصر.حيث سيلتقي هناك بشخصيات منهم ملك وتاجر، وبالكيميائي الذي سيرشده إلى الطريق الذي عليه أن يسلكه.
إضافة إلى دراسات في "جماليات الكتابة " للكاتب المغربي هشام بن شاوي، و"الساحرة التي تحقق سعادتها "لهشام الصباحي، و "النص وفكرة موت المؤلف" للأستاذ الدكتور حافظ المغربي ، و "في جوامع الكمد .. القصيدة الجامعة" لسعد الحامدي الثقفي..
كما تضمنت سيسرا 2 مجموعة من المقالات لنورا العلي في "رؤية المتنبي حول الفراق والوداع"، و"الإعلام والثقافة " للدكتورة نجلاء عبدالحليم ، و"قراءة في ديوان العارف" لصالح الحربي ، وهيثم حسين في "عهود وأقنعة وخيانات "قراءة في رواية «رقصة البهلوان الأخيرة» لخيري الذهبي ،و "الطواف في الفراغ" لزياد السالم ، و"مزايا التعليم العتيق " للزبير بن مهداد..
وتقدم سيسرا في عددها الثاني مجموعة من الإبداعات الشعرية لكل من د. يوسف العارف ،وسماح عبدالله ،وعبدالله الزماي ، وعبدالرحيم الخصار ، وحسين مذكور، ومحمد يعقوب ، وفوزية السندي ، وعبدالصمد الحكمي ، وملاك الخالدي ، وإنصاف أبو العلا ، وجاسم محمد عساكر ، وحمدي هاشم حسانين ، و د.عبدالله الرشيد.
كما تقدم مجموعة من الإبداعات القصصية لكل من ابتسام التريسي، والحسن بنمونه، وكوثر القاضي ، وسهام عريشي ، وريا أحمد ، وعماد الورداني ، وعزة الزايد ، وعبدالله السفر ، وصالح العديلي، ومحمد علي قدس ، ودايس الدايس ، ونجاة خيري.
ويتصدر غلاف العدد و أبوابه الرئيسية ، مجموعة من اللوحات التشكيلية لعدد من الفنانين الأتراك المعاصرين ، الذين تم عرض أعمالهم في اسطنبول مؤخرا.
ووجه نادي الجوف الأدبي الدعوة لجميع الأدباء والمبدعين لتزويد المجلة بإبداعاتهم على إيميل المجلة
magazine@adabialjouf.com
أو من خلال موقع نادي الجوف الأدبي الجديد :
http://www.adabialjouf.com/
25-4-2009 @ 6 pm
تفاصيل
بقلم : زياد جيوسي
حين كان يتاح لي أن أحضر معرضاً للصور الفوتوغرافية في أوقات مختلفة، كنت أقول في نفسي: إن الروح هي التي تلتقط الصورة وليست العدسة، ومن هنا كنت أميز دوماً بين روح الفنان في ممارسته التصوير الفوتوغرافي، وبين عدسة المصور التي تلتقط ما تراه بدون روح، وفارق كبير بين روح الفنان وبين العدسة بدون روح.
حين توجهت لمركز رؤى للفنون في مدينة عمّان عائداً من القاهرة قبل توجهي لرام الله، لحضور معرض "تفاصيل" للفنان هاني حوراني، لم أتوقع أنني سأعيش حالة وجدانية كبيرة، حالة أقرب للتحليق الصوفي من مجرد رؤية لوحات فوتوغرافية، كانت لوحات وليست صور، وكانت روح هاني تحلق فيها بجمال وإبداع.
"تفاصيل" كانت رحلة حملتني وأنا عاشق الأمكنة، رحلة امتدت من البتراء والسلط في الأردن إلى الدار البيضاء، فتونس فالرباط، ومن القاهرة إلى الدوحة، ومن دبي إلى دمشق، ومن وادي النسناس في حيفا إلى مراكش مروراً بسيدي أبو سعيد في تونس، وحلقت بنا الروح في مناطق أوربية مثل مرسيليا ومالطا وأمستردام، فكانت رحلة الروح مع عدسة الفنان، مع إبداعه، مع تفاصيله الصغيرة.
لم يعتمد هاني حوراني الصورة الفوتوغرافية الشاملة للمشهد، فقد تركزت روحه بالتقاط التفاصيل الصغيرة، ومن تجميع الصور للتفاصيل، خرج لنا بمجموعة رائعة ومميزة من اللوحات، وكل تفصيل صغير فيها كان يشكل لوحة، وكل مجموعة مركبة مع بعضها كانت تشكل لوحة أخرى إجمالية، تشد المشاهد وتجعله يحلق بين التفاصيل وبين الشمولية.
مازج الفنان بين روحه كفنان تشكيلي وبين روحه كفنان فوتوغرافي، فتمكن من مزج الروحين معاً، وهذا ظهر في العديد من اللوحات الفوتوغرافية، ولعله تمكن في بعض منها من زيادة كمية اللون أو تخفيفه، فأصبح المشهد أقرب للوحة تشكيلية مرسومة بألوان الزيت من مجرد صورة فوتوغرافية، ولجأ في الصور الشمولية وفي كل لوحات المعرض تقريبا إلى تقسيم اللوحات إلى مربعات جرى نزع كل قسم لوحده، وشكلت المربعات اللوحة الشمولية، تاركا فراغاً محدوداً في تعليق اللوحات بين اللوحة والأخرى، فكان يعرض أسلوباً مختلفاً ومتميزاً وجديداً، وحقيقة بالنسبة لي كنت أول مرة أشاهد هذا الأسلوب بالعرض والتركيب.
ففي جدارية "السلط" الضخمة تمكن من خلال عدة صور، وتقسيمها إلى مربعات ومزجها مع بعضها البعض، من إبداع جدارية غاية في الجمال تصدرت لوحات المعرض. كانت بانوراما تمثل السلط بتاريخها وجمالها وإبداع مبانيها عبر القديم وصولا للحديث الذي لم يخلو من روح التراث، بينما تمكن من التقاط إبداع الطبيعة من خلال مجموعة لصور لصخور البتراء المدينة الوردية، تركها بدون تدخل بألوانها الطبيعية، جمع الصور في ثمانية عشرة صورة، شكلت معا لوحة "تفاصيل من البتراء"، فكان كل تفصيل لوحة، ومجموع التفاصيل لوحة شاملة أخرى تضم التفاصيل كلها، فتبرز إبداع الخالق في الجمال الطبيعي المميز.
تكرر هذا الأسلوب باستخدام تفاصيل متعددة بالعديد من اللوحات الغاية بالجمال، فمن جزيئات و "تفاصيل لمبنى مهجور في مالطا" على البحر، جمعها معاً بدون ترتيب كما الواقع، خرجت لنا التفاصيل الصغيرة بلوحة تجريدية رائعة من ثمانية عشرة قطعة، شكلت بالمجموع لوحة وفي التفاصيل لوحات، ونرى هذا الأسلوب مجدداً في لوحة "دراويش" والتي اعتمدت على مشهد الدرويش في رقصة صوفية لكن بتحليقات مختلفة مثلت جدارية من ثمانية عشر لوحة مميزة.
هاني حوراني كان يعتمد التفاصيل الصغيرة في لوحاته، فهو لا يعنيه تصوير القارب ككل، فنراه يركز في عدسته على تفاصيل صغيرة من القارب، الألوان المتداخلة عبر الزمن، مقدمة القارب أو جزء آخر منه، ما يطفو على الماء من بقايا نباتات أو أوراق شجر، فيمازج محيط المشهد بالجزء الذي تلتقطه عيناه، وقد برز الإبداع في التقاط الجزئيات والتفاصيل في لوحة "فسيفساء من الرمال" والتي جمعت خمسة وأربعون تفصيلاً للرمال بأوقات وأمكنة مختلفة، تمازج فيها جمال تفاصيل جزيئات صغيرة ذات مساحات محدودة، بتأثير الطبيعة على حركة هذه الرمال، بين مطر وجفاف، فأعاد تركيبها من خلال جمع هذا العدد بلوحة متميزة حملت في منتصفها صورة لشجرة منفردة، فكانت الشجرة في وسط هذا الكم من لوحات الرمال التي مثلت لوحة فسيفسائية أشبه بالواحة في قلب الصحراء، فأعطت للوحة جمال آخر متميز، يجعل الروح تحلق في واحات الصحاري حيث السكينة والهدوء والجمال رغم قسوة الطبيعة المحيطة. ونرى هذه الفسيفساء مرة أخرى بلوحة "انعكاسات حمراء على الماء" المكونة من ستة عشرة قطعة، فينقلنا من جفاف الصحراء إلى حياة الماء وجمالية الانعكاس. ونراه أيضا بلوحات من الخط العربي الجميل تمازجت التفاصيل من مناطق مختلفة لتشكل لوحات جمالية متصلة روحها وجمالها من جمال الخط العربي وإبداعه.
ومن إبداع في الأسلوب إلى إبداع آخر يتنقل بنا هاني حوراني بعدسته وروحه، فمن التفاصيل الصغيرة المركبة بلوحات مميزة، إلى اللوحات المنفردة من جمالية التقطتها عيناه كما في لوحات "النافذة الزرقاء" في تونس ولوحة "القبة" في الرباط وغيرها الكثير، لينتقل فينا إلى أسلوب آخر يبتعد عن التفاصيل الصغيرة وتقسيمها، فيأخذنا إلى مشاهد شمولية غريبة بنظرة مختلفة، فيحملنا إلى انعكاسات الصور على صفحات الماء كما هي في الطبيعة بدون تدخل، فنرى مشاهد أخرى للجمال من خلال هذا الانعكاس البديع متماوجاً مع حركة سطح الماء الناعمة، فيكون تحليق وإبداع من شكل آخر للفن، لكنه لنفس الروح الجميلة والمحلقة للفنان.
ليس من السهل الحديث عن كل لوحات "تفاصيل"، فالمعرض بلوحاته التي تجاوزت الأربعين لوحة بين الجدارية والصغيرة، يحتاج إلى رحلة طويلة من البحث والتأمل، فهاني حوراني تمكن بروح إبداعية من مزج فنه التشكيلي مع رؤيا روحه الفوتوغرافية، فتمازج التشكيلي مع الفوتوغرافي، تمكن من تجميع التفاصيل التي حملت اسم المعرض، إلى الشمولية ببراعة، مازج بين القدرة على تغيير وتحريك اللون، إلى ترك الطبيعة تعبر عن ألوانها بدون تدخل، وتمكن من جمع التفاصيل الصغيرة لتصبح حكاية ورواية متصلة بدون تقاطع. وكان المعرض بساط ريح حملنا بين القديم والحديث، بين الطبيعة وجهد الإنسان، رسمها وصورها هاني حوراني بروح جميلة ومحلقة، فشددت على يده في نهاية حضوري المعرض بحميمية قائلاً له: أبدعت روحك يا هاني، كنت أخشى قبل حضوري أن تعبث السياسة التي سرقتك من الفن بروحك، لكني وجدت روحك الجميلة كما هي، محلقة ومبدعة، فشكرا لروحك هذا الإبداع.
"عمّان في 2/4/2009
15-4-2009 @ 10 pm
رابطة الأدباء الإيرانيين تعلن عن قائمة أفضل الشعراء العرب المعاصرين وتترجم أعمالهم إلى الفارسية في إصدار خاص
اختارت رابطة الأدباء الإيرانيين في طهران ثلاثين شاعرا عربيا، اعتمادا حسب تصريحاتها على ( مدى تمكنهم من الصور الإبداعية و الجمالية والخيال الثري ) و ذلك لتقديمهم كأفضل الشعراء العرب المعاصرين في مجموعة شعرية بعنوان : (موعدان لبزوغ الشمس و عازفان) وتضم نماذج من أعمالهم مترجمة إلى الفارسية
وقد تم اختيار شاعر أو شاعرين من كل بلد عربي، وشمل الأختيار 15 بلدا عربيا و ضمت القائمة المختارة أسماء من مختلف الإتجاهات والأجيال الشعرية نذكر منها : محمد بنيس، غازي القصيبي، سعدية مفرح، سيف الرحبي، أنسي الحاج ، عبد العزيز المقالح، ظبية خميس من الإمارات و من العراق الشاعر الراحل يوسف الصائغ ، ومن الجزائر حنين عمر ومالك حداد الذي كان استثناء خاصا في الكتاب لأن أشعاره ترجمت من الفرنسية لا من العربية عكس كل الشعراء الآخرين.
وجاء هذا الكتاب الذي ضم نخبة مختارة بعناية من طرف مختصين من رابطة الأدباء الإيرانيين كمحاولة لتأكيد التفاعل الحضاري بين ايران والشعوب العربية و لتعزيز التبادل الثقافي العربي الفارسي.
خبر خاص / و ك ت
12-4-2009 @ 2 pm
أنا القدس
بقلم : زياد جيوسي
كيف لأحد أن يروي الحكاية، حكاية القدس عبر التّاريخ؛ يروي الحكاية كما هي بدون عبث العابثين والّذين زوّروا التّاريخ والحكاية، كيف يمكن أن يتمّ ذلك من خلال عمل مسرحيّ يتمكّن من اختصار الحكاية الّتي بدأت منذ فجر التّاريخ بساعة واحدة من الزّمان، على خشبة مسرح ومن خلال ممثّلة واحدة يرافقها راقصَين تعبيريّين اثنين، كيف؟
كان هذا هو السّؤال الّذي يدور في ذهني وأنا أتّجه لمسرح القصبة لأشاهد مسرحيّة "أنا القدس"، والتي أنتجها مسرح عشتار في رام الله، وتُعرض على مسرح القصبة ضمن أيّام المنارة المسرحيّة. فالقدس حكاية من قبل التاريخ، حكاية بدأها اليبوسي الكنعانيّ جدّنا الأوّل، أرادها مدينة سلام ومركز حضارة وتجارة، مدينة محبّة وحسن جوار مع ممالك المدن في فلسطين وممالك خارج إطار وحدة فلسطين الجغرافيّة الممتدة ما بين النّهر والبحر، لتتحول هذه الأرض إلى قبلة أطماع الطّامعين والنّاهبين ولصوص الليل وقطّاع طرق التاريخ، لتصبح القدس عبر تاريخها مسرحًا دمويًّا ضحيّته أبناء كنعان، الّذين لم يتوقّفوا عن الدّفاع والقتال ذوداً عن وطنهم وقدسهم على مرّ التّاريخ، وحتّى عصرنا الحاليّ الذي يقف فيه الفلسطينيّون أحفاد كنعان، في مواجهة أشرس حملة ضدّ وطنهم وضدّ القدس.
رغم ثقتي بقدرات مؤسّسة مسرح عشتار الّذي عايشت عمله ونتاجه الفنّيّ منذ عدت للوطن منذ أكثر من عقد من الزّمان، ورغم احترامي الكبير لجهود الممثّلة المسرحيّة إيمان عون وقدراتها، إلاّ أنّ سؤالي لم يفارقني وأنا أنتظر بدء العرض- فقضيّة القدس قضيّة وطن وهي رمز من أقوى رموزه. ومثلي مَن شرب ماء القدس طفلاً يدرك كم هي قضيّة صعبة ومعقّدة كي تُروى حكايتها في ساعة وعبر المسرح.. حتّى كان اللقاء مع المسرحيّة ورواية الحكاية.
مسرح بديكور بسيط متحرّك ببعض من قطعه، ظلام دامس ينبثق من زاوية المسرح فيه نور يشعّ وكأنّه بوّابة الأمل في مستقبل تزول منه العتمة. إيمان عون تمثّل القدس كمدينة بروح امرأة يسعى الغزاة دوما لاغتصابها، رشا جهشان راقصة تعبيريّة أبدعت مع الممثّل والرّاقص التعبيري محمّد عيد، بالتّعبير عن مراحل تاريخ المدينة الأقدس والأجمل. وموسيقى تصويريّة معبّرة ترافق مشاهد العرض فتنسجم مع المشهد، ملابس مثّلت الغزاة وتاريخهم، والكوفيّة الفلسطينيّة لم تفارق مشاهد العرض الأخيرة رمزًا للشّعب الفلسطينيّ الّذي يتعرّض لحرب الإبادة، رموز مختلفة استخدمت مثّلت اليهود من خلال الشّمعدان، المسيحيّة في القدس من خلال الشّموع، الإسلام من خلال الخليفة العادل عمر بن الخطاب والقائد المحرّر صلاح الدّين الأيّوبي، وغيرها من رموز الّتي مثّلت مراحل الغزاة.
لجأ المخرج والمؤلّف ناصر عمر إلى استخدام العرض المصوّر مع أحاديث الغزاة، لكن بدون وضوح الصّورة إلاّ في المشهد الأخير الّذي مثل المرأة الفلسطينيّة.. سمعنا أحاديث الكنعانيّين والفراعنة والأشوريّين والبابليّين والفرس، وعصر الإمبراطور قسطنطين وهجمة البرابرة الصّليبيّين، عهد التّحرّر في زمن صلاح الدّين وصولا للمرحلة الحاليّة.. إضافة إلى استخدام الرّقص التّعبيري بشكل يعبّر عن الفترات التّاريخية، مُضافاً إلى دور الرّاقصين كممثّلين في بعض الأدوار الّتي احتاجها العرض، وبشكل يتناسب مع العرض ويمنحه المعاني والمفاهيم.
أجادت إيمان عون وهي ابنة القدس بدورها بتميّز؛ تمكّنت تعابير وجهها من أداء الدّور والمساهمة في رواية الحدث، وتناسبت نبرات صوتها مع المشاهد، فكان أداؤها من أجمل ما شاهدت لها عبر السّنوات الماضية. وتمكّن المخرج مع من قاموا بالأدوار والرّقص التّعبيريّ من خلق عمل متكامل؛ روى الحكاية وترَك أثرها في النّفوس وأسال الدّموع، ترك الحلم في الأرواح بأن القدس تمكّنت، عبر التّاريخ الممتدّ لآلاف السّنوات قبل الميلاد، من لفظ المغتصبين وطردهم ودحرهم، وأنّ الحرّيّة قادمة وطاقة الأمل لا يمكن أن تغلق، رغم كلّ محاولات تهويد القدس وتفريغها من أحفاد كنعان.
تقول إيمان عون وهي صاحبة الفكرة والقائمة بالجهد المسرحيّ: "ولد هذا المشروع برغبة شخصيّة منّي للاحتفاء بمدينتي، كوني ابنتها الّتي لفحتني بنورها ووهبتني حبّها، وشكّلت أزقّتها ملامح وجهي، أحنّ لها وأنا فيها وتدفعني أطيافها إلى روائح النّساء التي نسجت بالدّموع والأرجوان حكايات الجدّات- اللاتي حافظن على ما تبقّى من فتات الذّاكرة الّتي طحنتها عجلات الحروب والفجائع- لترويها للأحفاد، لذا أردت منحها صوتًا أنثويًّا آتيًا من أعماق تكوينها، فجاءت امرأة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، بضعفها وعنفوانها، بشبقها وحكمتها، بعطائها وألمها".
فماذا نقول نحن الّذين نقطن على مسافة قصيرة من القدس، وتعزلنا عنها حراب الجند وبنادقهم والأسلاك الشّائكة والجدران، فنُحرم من الصّلاة في أقصانا وزيارة القيامة؟ ماذا نقول حين تُغيّب الحقيقة ويزوّر التّاريخ؟ سوى أن نحلم بغد آت وبقدرة أرض الوطن على لفظ الغزاة، وعلى قدرة القدس على المحافظة على روحها الّتي هي أرواحنا، وأن نصّمم على أن نبقى لنروي حكاية الفجر القادم. فنحن أحفاد كنعان جذورنا كالسّنديان ضاربة في أعماق تربة التّاريخ.
وفي النّهاية لا بد أن أقول: "أنا القدس" عمل متميّز ورسالة وطنيّة، إبداع متكامل رغم كلّ الظّروف الصّعبة الّتي أحاطت بإخراج هذا العمل إلى النّور؛ هذه الظّروف الّتي مثّلت الشّتات الفلسطينيّ أبلغ تمثيل، إنّه عمل يجب أن يجول العالم ليحمل رسالة عربيّة فلسطينيّة، عمل يعيد رواية التّاريخ الحقيقيّ للقدس.. رواية بدأت من عهد يبوس وكنعان، حتّى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، رواية تكشف كلّ الزّيف في تزوير التّاريخ على يد اليهود وصولاً للكذبة الكبرى الّتي أسموها إسرائيل.
"رام الله المحتلة 9/نيسان/2009"
4-3-2009 @ 2 am
بين هذا ليل وآدم
باسل زايد ابداع متجدد
بقلم : زياد جيّوسي
باسل زايد فنّان فلسطينيّ شابّ متميّز، يمثّل ظاهرة مختلفة ومتميّزة في السّاحة الفلسطينيّة. فقد عرفته منفردًا ومع فرق مختلفة، مثل: فرقة سنابل وفرقة سريّة رام الله الأولى وفرقة يلالان، ثمّ فرقة تراب. فباسل نمط مختلف؛ يتناول الكلمة المغناة وما تحمله من بين ثناياها من رسالة.
وتبقى "تراب" تجربة مميّزة ومستمرّة حتى الآن في مسيرة الفنّان باسل زايد؛ مع فرقة تراب قدّم باسل مجموعته المميزّة "هذا ليل". وفي هذا الألبوم نجد التّميّز بالكلمة واللحن، فكلمات الأغاني تعبّر عن الهمّ اليوميّ للمواطن وأحلامه. وقد تمكّن باسل من أن يمزج بإبداع كبير الموسيقى العربيّة والغربيّة بمختلف أشكالها، وإن بقي العود هو الأساس في ألحانه مترافقًا مع الإيقاع.
في مجموعته "هذا ليل" تميّز باسل وشكّل انطلاقة جديدة. ولعلّ أقوى ما قدّمه في هذه المجموعة مقطوعته الموسيقيّة "جنين"، وفيها تحدّث من خلال اللحن المميّز عن معركة اجتياح مخيّم جنين على يد الاحتلال.. مَن يستمع للمقطوعة وتدرّج الموسيقى بين الطّبقات المختلفة، يعيش أجواء الصّمود الأسطوريّ للمخيم، ويستطيع أن يحلّق مع أرواح الشّهداء، وأن يستمع لجنون الآلة الحربيّة الإسرائيليّة، كلّ ذلك من خلال تناغم الآلات الموسيقيّة وقوة اللحن الّذي أبدعه باسل.
إلاّ أن باسل وطموحه لم يتوقّف عند "تراب" و"هذا ليل"، رغم الشّهرة المتميّزة الّتي نالها. فانطلق بعمل مميّز آخر فكانت مجموعة "آدم"، وهذه مجموعة تشكّل قفزة نوعيّة حقيقيّة في مسيرة باسل الفنّيّة. فهو عمل مكوّن من اثنتيّ عشرة مقطوعة- نصفها تقريبًا يغنيّها بصوته، والنّصف الآخر من تلحينه وعزفه مع مجموعته الفنّيّة. وكما في "هذا ليل" الّتي ارتبطت بالمُواطن وهمّه وألمه وأمله، ففي "آدم" لم يخرج عن خط الالتزام الّذي تميّز به. فآدم هو الرّمز للمواطن المسحوق بين سنديان الجوع ومطرقة الاحتلال؛ فهو طفل يعاني مِن أنّه ولد في زمان غير زمانه، ولد تحت الاحتلال ويعيش الجوع والمعاناة. وكان الفنان باسل قد التقطه وتابعه وتحدّث معه، ومن خلال تأثّره بهذه القصّة الّتي نُسجت مقطوعة موسيقيّة متميّزة، تحمل اسم المجموعة الكاملة. ومن يستمع إليها لا يمكنه إلاّ أن يعيش الأجواء الّتي عاشها ويعيشها الطّفل آدم من خلال اللحن والتّناغم الموسيقيّ، فكانت كما "جنين" مقطوعة موسيقيّة متميّزة وجميلة، تلامس شغاف القلب وتحلّق بالروح عاليًا.
وهذه المجموعة تتنقّل بين الهموم المختلفة؛ فمن معاناة الصّحافيّ وقمع حرّيّة الكلمة، إلى معاناة رام الله مابين الاحتلال والفلَتان الأمنيّ، إلى الرّغبة في التّغيير من المعاناة إلى الأمل، إضافة لأغاني فلسفيّة حول الحياة والأمل والرّغبة في الفجر القادم والصّباح الأجمل.
هو باسل زايد طاقة كبيرة من العطاء وقدرة فنّيّة هائلة ورسالة الهمّ الوطنيّ والإنسانيّ، وإصرار على المقاومة بالكلمة واللحن والأداء، فتشكلّت من خلال هذه المسيرة تجربة تحتاج إلى المزيد من البحث والمتابعة.
(رام الله 1/3/2009)